أبي بكر جابر الجزائري

402

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

لعبا وعبثا بل خلق الإنسان وخلق الحياة ليذكر ويشكر فمن أعرض عن ذكره وترك شكره أذاقه بأساءه في الدنيا والآخرة وهذا ما دلت عليه الآية السابقة وقررته الآية وهي قوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ « 1 » أي عابثين لا قصد حسن لنا بل خلقناهما بالحق وهو وجوب عبادتنا بالذكر والشكر لنا وقوله تعالى : لَوْ أَرَدْنا « 2 » أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً أي صاحبة أو ولدا كما يقول المبطلون من العرب القائلون بأن اللّه أصهر إلى الجن فأنجب الملائكة وكما يقول ضلّال النصارى أن اللّه اتخذ مريم زوجة فولدت له عيسى الابن ، تعالى اللّه عما يأفكون فرد تعالى هذا الباطل بالمعقول من القول فقال لو أردنا أن نتخذ لهوا نتلهى به من صاحبة وولد لاتخذنا من لدنا من الحور العين والملائكة ولكنا لم نرد ذلك ولا ينبغي لنا إنا نملك كل من في السماوات ومن في الأرض عبيدا لنا فكيف يعقل اتخاذ مملوك لنا ولدا ومملوكة زوجة والناس العجزة الفقراء لا يجيزون ذلك فالرجل لا يجعل مملوكته زوجة له ولا عبده ولدا بحال من الأحوال وقوله تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ « 3 » فَإِذا هُوَ زاهِقٌ فتلك الأباطيل والترهات تنزل حجج القرآن عليها فتدمغها فإذا هي ذاهبة مضمحلة لا يبقى منها شيء وَلَكُمُ الْوَيْلُ أيها الكاذبون مما تصفون اللّه بالزوجة والولد والشريك والرسول بالسحر والشعر والكهانة والكذب العذاب لازم لكم من أجل كذبكم وافترائكم على ربكم ورسوله . وقوله تعالى : وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ برهان آخر على بطلان دعوى أن له تعالى زوجة وولدا فالذي يملك من في السماوات ومن في الأرض غنيّ عن الصاحبة والولد إذ الكل له ملكا وتصرفا . وقوله : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ « 4 » برهان آخر يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا

--> ( 1 ) ينفي تعالى أن يكون خلق السماوات والأرض وما بينهما وما في السماوات وما في الأرض من عجائب المخلوقات وبدائع الصناعات وما بين السماء والأرض من السحب والأمطار ورياح وأجواء الفضاء ينفي أن يكون هذا الخلق العظيم لعبا : أي : لهوا وعبثا بل خلق ما خلق لأعظم حكمة وأسماها وهي أن يعبد بذكره وشكره ، فلذا من كفر به تعالى فترك ذكره وشكره كان من شرّ خلقه واستوجب العذاب الأبدي الذي لا يخرج منه ولا يموت فيه ولا يحيى . ( 2 ) الآية ردّ على افتراءات المبطلين جهلة البشر الذين نسبوا للّه تعالى الصاحبة والولد بغير علم من عقل ولا نقل . ( 3 ) الدمغ : شج الرأس حتى تبلغ الشجة الدماغ ، والباطل هو الشيطان والحق : القرآن ، في قول مجاهد إذ قال كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان . ( 4 ) لا يَسْتَحْسِرُونَ أي : لا يعيون مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع من الإعياء والتعب يقال : حسر البعير يحسر حسورا : أعيا وكلّ واستحسر وتحسر مثله .